محمد بن وليد الطرطوشي

120

سراج الملوك

الجاهل ، فهو الدهر مغموم ، والكريم يحتاج إلى اللئيم ، فهو الدهر خاضع له ذليل . وتضيع أمور الناس : إذا كان الرأي عند من لا يقبل منه ، والسلاح عند من لا يستعمله ، والمال عند من لا ينفقه . وتتلقّى النعمة من اللّه تعالى : بكثرة شكره ولزوم طاعته ، واجتناب معصيته . فصار تلميذا له إلى أن مات . وقال يحيى بن سعيد « 1 » : حج سليمان بن عبد الملك ومعه عمر بن عبد العزيز « 2 » ، فلما أشرفا على عقبة عسفان « 3 » ، نظر سليمان إلى السّرادقات « 4 » قد ضربت له ، فقال له : يا عمر ، كيف ترى ؟ قال : أرى دنيا عريضة يأكل بعضها بعضا ، وأنت المسؤول عنها ، المأخوذ بها . فبينما هما كذلك ، إذ طار غراب من سرادقات سليمان ، في منقاره كسرة ، فصاح ، فقال سليمان : ما يقول هذا الغراب ؟ قال عمر : ما أدري ما يقول ، ولكن إن شئت أخبرتك بعلم ، قال : أخبرني ، قال : هذا غراب طار من سرادقاتك ، في منقاره كسرة ، أنت بها مأخوذ ، وعنها مسؤول ، من أين دخلت ، ومن أين خرجت . قال : إنك لتخبرنا بالعجائب ، قال : أفلا أخبرك بأعجب من هذا ؟ قال : بلى . قال : من عرف الله كيف عصاه ؟ ومن عرف الشيطان كيف أطاعه ؟ ومن أيقن بالموت كيف يهنيه العيش ؟ قال : لقد غثثت علينا ما نحن فيه . ثم ضرب فرسه وسار . ويروى أن بلال بن أبي بردة « 5 » ، خرج في جنازة ، وهو أمير على البصرة ، فنظر إلى جماعة وقوفا ، فقال : ما هذا ؟ قالوا : مالك بن دينار « 6 » يذكّر الناس . فقال لوصيف معه : اذهب إلى مالك بن دينار فقل له يرتفع إلينا إلى القبر ، فجاء الوصيف فأدّى الرسالة إلى مالك ، فصاح به مالك : ما لي إليه حاجة

--> ( 1 ) هو يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري ، أبو سعيد ، من أهل المدينة المنورة ، من أكابر رجال الحديث وقاضي مشهور ، توفي سنة 143 ه ( الأعلام 8 / 147 ) . ( 2 ) سليمان بن عبد الملك : الخليفة الأموي السابع ، توفي سنة 99 ه . وخلفه عمر بن عبد العزيز ، الخليفة العادل ، ودامت خلافته حوالي سنتين ، وتوفي سنة 101 ه . وقد ذكرت هذه الحكاية في ( حلية الأولياء 5 / 272 ) . ( 3 ) عسفان : قرية جامعة بها مزارع ونخيل ، بين الجحفة ومكة على بعد 36 ميلا من مكة المكرمة . ( 4 ) السرادقات : مفردها السرادق : وهو الفسطاط الذي يمد فوق صحن البيت . ( 5 ) بلال بن عامر ، سبقت ترجمته . ( الأعلام 2 / 72 ) . ( 6 ) مالك بن دينار ، سبقت ترجمته ( الأعلام 5 / 260 ) .